بحوث ودراسات

المجتمع المديني في كتاب «تخريج الدلالات السمعية» للخزاعي

“بحث مقدَّم لمؤتمر (فقه السيرة النبوية وإسقاطاتها المعاصرة) الذي أقامته حملة (وتبقى القائد والقدوة) في بيروت 4/4/1444هـ الموافق 29/10/2022م”

إعداد
الأستاذ الدكتور محمد المعتصم البغدادي
أستاذ أصول الفقه وأصول الدين والأديان والفرق

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة السلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

فإن الحديث عمّا يُسمّى في عصرنا الظواهر الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية والاندماج الاجتماعي والتطبيع الاجتماعي (أو التكوين الاجتماعي) هو أمر حديث العهد نسبيًّا وذلك لكون هذا النوع من الدراسة استقلّ عن العلوم الأخرى وعن الفلسفة بصورة عامة.

وهو إن صحت العبارة جزء من مفهوم العمران بالاصطلاح الخلدوني، أو بالمدنية والحضارة في عصرنا.

ولكن الدراسات التي تحدثت عن تشكل المجتمع في المدينة المنورة قبل الهجرة وبعدها، ليس من السهل بحال، والدراسات التي تناولته قليلة نسبيًّا إذا قيست بالدراسات الأخرى.

ودعني أقول : إنّ اهتمام المسلمين القدامى بهذا النوع من الدراسة قد أفردت له تصانيف كثيرة، أعنى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

منها على سبيل المثال: «تاريخ المدينة المنوّرة» لابن شبة (262هـ/876م)، ومنها: «تاريخ المدينة المنوّرة» المسمّى «نصيحة المشاور وتعزية المحاور» وهو لابن فرحون الفقيه المالكي، ومنها «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» لابن النجار، ومنها «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى» للسمهودي، ومنها حديثًا «التراتيب الإداريّة» أو «نظام الحكومة النبوية» للكتاني، وغيرها الكثير من الكتب، ومنها هذا الكتاب المسمّى «تخريج الدلالات السمعية» للخزاعي.

إلّا أنّ الحديث عن المدينة المنوّرة ليس مجرد كتابة تاريخية تهتم للزمان والمكان (أي التاريخ والجغرافيا)، والحدث، أي ليست مجرد دراسة وصفية تعني بكل ما من شأنه أن يتعلّق بدراسة هذه المدينة المتميّزة باسم (المدينة) في عصر لديه دلالة خاصة لهذا المصطلح.

لم المدينة؟

أن تسمّى حاضرة ما، أو مدينة ما من المدن بتسمية ما، لا بد فيه من دراسة نشأة هذه التسمية، ولم سمّيت؟، أهو عائد إلى شخص، أو إلى حدث، أو إلى وصف معيّن … إلخ، كأن نقول: إنّ يثرب هو شخص ما، هو يثرب بن قاينة بن مهلائيل بن آرم إلخ.. أو نسبة إلى قائد قبيلة عبيل يثرب أو نحو ذلك وليس قصدي الآن أن أحقّق في أصل هذه التسمية.

أما لماذا سمّيت هذه المدينة (بالمدينة المنوّرة)؟

فلأنّها تنصرف إلى مدينة معينة هي مهاجر أو دار هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هاجر إليها من مكة المكرّمة مدينة الكعبة والبيت العتيق. وهاجر إليها الصحابة – صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم- وقد أمر أيضًا النبي الكريم بدعوة من حول المدينة من الأعراب للتحوّل إلى المدينة، كما في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه الذي رواه مسلم في «صحيحه» وفيه : “ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين“([1]).

وهذا يدلك على أنّ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكّلت بعد الهجرة تشكلًا اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا خاصة بأمر منه فهي لم تعد الحاضرة القديمة يثرب ولم يعد اسمها يثرب وربما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلك التسمية واستبدل بها، “طابة”.

كيف كان الوضع الاجتماعي في المدينة؟

اشتملت المدينة المنوّرة على طوائف متعدّدة فمنهم:

  • الأنصار وتشكّل قبيلتيّ الأوس والخزرج.
  • المهاجرون من الصحابة الذين هاجروا من مكة.
  • اليهود الذين هاجروا إلى هذه المدينة لكونها المدينة التي طلب منهم أن يسكنوا فيها ليلاقوا النبي المنتظر عندهم والذي بشّرهم به سيّدنا موسى n، كما في سفر التثنية عندهم في الإصحاح 18 و20 وغيره من أسفارهم وفيه تحديد المنطقة بتيمان: تيماء.
  • طوائف متعدّدة مختلفة ممّن هاجر إليها أيضًا بعد الإسلام أو قبله من العرب وغيرهم من البلدان المجاورة.

وعودة للتسمية: إنّ هذه التسمية ليست اعتباطيّة لتميّز التسمية عن غيرها من تسميات المدن في مثل تلك العصور.

والذي أراه في ذلك أنّ هذه المدينة انتقلت من «مدينة» وهي نكرة في سياق الاثبات تدل على الإطلاق وهي غير محدّدة إلى مصطلح جديد محدّد ومعهود وينصرف إليه الذهن عند الورود، هو “المدينة” فاكتسبت بذلك طابعًا نموذجيًّا خارجًا عن إطار الجغرافيا أو الجغرافيا البشرية، أو مفهوم العاصمة، إلى شيء جديد تغيّرت فيه كلّ الأبعاد، حيث إنّ هذه المدينة عدت: «المدينة النموذجيّة» لكل المدن الأخرى. إذ مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين والذي أعطى في مفهوم الوحي أبعادًا جديدة خارجة عن مفهوم الكتاب والتنزيل، فهو الشخصيّة المركزية في الإسلام في الوحي الذي يشتمل على الأقوال والأفعال والتقرير أو السكوت، وهو بهذا شخصيته كلها فلا ينفصل الوحى عن البشرية إلا فيما أخبر عنه بنفسه، وهو الحاكم ورئيس الدولة، وهو القاضي، وهو المعلّم والـمُربّي، وهو المــُبلّغ ، وهو النّاصح والواعظ، وهو أمّة كاملة مجتمعة في فرد واحد.

وإذا كان ذلك كذلك، فإنّ المدينة التي سعى في تشكيلها بعد الهجرة وتعاقبت عليها الأحداث انطلاقًا منها إلى كلّ الدنيا، وربطًا لها بكلّ ما حولها من القبائل والأرياف والقرى والأطراف وتوجهًا نحو كل الجغرافيّات المحيطة والتي تمثّلت فيها حضارات متعدّدة: الشام والحضارة البيزنطية، وفارس والحضارة الإيرانية، ومصر وعراقة الحضارة المصرية، والعراق وقضايا حضارة بابل القديمة.. بعبارة وجيزة «كلّ العالم القديم»…

فمن الشخصية المركزية إلى المدينة المركزية غدا النموذج البشري نموذجًا سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وإداريًّا وتربويًّا إلخ…

ولعلّه لهذا كانت «الدولة المدينة» والمتمثلة في عبارة «المدينة».

ولا عجب بعد ذلك أن تنبّه علماء الإسلام إلى أهمية هذا المعنى فكتبوا في تاريخ المدينة متجاوزون التاريخ إلى ما هو فوق التاريخ.. الوحي المدني.

([1]) هو حديث: «كان رسول الله g إذا أمّر أميرًا على جيش أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا أنت لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال أو خصال فأيتهنّ أجابوك إليها فاقبل منهم وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم إن فعلوا ذلك أنّ لهم ما للمهاجرين وأنّ عليهم ما على المهاجرين..» الحديث. الحديث أخرجه مسلم (1731) والترمذي (1617) والنسائي في «السنن الكبرى» (8765) وابن ماجه (2858) واللفظ له.

التعريف بكتاب «تخريج الدلالات السمعية» للخزاعي.

صاحب هذا الكتاب هو العالم العلّامة أبو الحسن علي بن محمد الخزاعي التلمساني، المتوفى سنة 789هـ. من أسرة عريقة في الفقه والقضاء، وهو كما يقول ابن القاضي: “تلمساني المولد .. أندلسي الأب والسلف، تولّى خطة «الأشغال السلطانية» لأمير المسلمين المتوكل على الله… ثم ما لبث بسبب الأحداث السياسيّة أن تركها وتوجّه إلى فاس حيث كان أيضًا كاتب الأشغال السلطانية لبني مرين، وتولّى أيضًا خطة «القلم الأعلى»..”.

درس في تلمسان على أبي عبد الله ابن مرزوق (781هـ) والبلفيقي ابن الحاج (771هـ). توفّى بـ«فاس» سنة 789 ودفن فيها.

عرف بكتابه «تخريج الدلالات السمعية على ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحِرَف والصنائع والعمالات الشرعيّة».

سبب تأليف الكتاب

يقول المؤلف رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه: «وبعد، فإنّي لما رأيت كثيرًا مما لم ترسخ في المعارف قدمه، وليس له من أدوات الطالب إلّا مداده وقلمه، يحسبون أنّ من دُفع إلى النظر في كثير من تلك الأعمال (أي السياسة الإدارية في الدولة)، في هذا الأوان مبتدعًا لا متّبعًا، ومتوغّلًا في خطّة دينيّة ليس عاملًا في عمالة سنيّة، استخرت b أن أجمع ما تأدّي إلى علمه من تلك العمالات في كتاب يضُمّ نشرها ويبيّن لجاهليها أمرها فيعترف الجاهل، وينصَف المتحامل..» (ص8).

وهذا إن دلّ فإنّه يدل على رد علمي موثق بالأدلة على من يزعم أن السياسة من الدين بديعة خارجه عن الدين.

بعبارة أخرى الكتاب يرد على مدعي ما يشبه العلمانية من زمن المؤلف.

طبعات الكتاب

والكتاب له طبعتان الأولى في دار الغرب بتحقيق الدكتور إحسان عباس سنة 1985. والثانية في مصر وهي طبعة وزارة الأوقاف المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي سنة 1430هـ-2009م، وقد شرع في تحقيقه المرحوم الأستاذ محمد أحمد أبو سلامة على نسخة منه، وما أن أتمّ تحقيقه حتّى توفّي رحمه الله تعالى ولم يتمّ الكتاب من وضع مقدمة ومراجعة تجارب الطبع ووضع الفهارس.

أهمية الكتاب

ترجع أهمية الكتاب إلى عدة أمور:

  • أنّه فريد في كتابه، جامع في أبوابه، نادر في موضوعه.
  • أنّه يمثل -في وجهة نظري على الأقلّ- الفقه السياسي والإداري أو الدولة في الإسلام فهو يشمل في أبوابه على أعلى المراتب: الخلافة أو الإمامة، إلى أصغر الأمور المتعلّقة بالمناصب الإداريّة في الدولة الإسلامية.
  • أنّه يؤصّل لها بالأدلة الشرعيّة العائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • أنّه يمثل ذلك في المدينة النبوية كنموذج شرعي فقهي للدولة.
  • أنّه يشرح كثيرًا من الألفاظ ذات الدلالات الصعبة أو الغريبة الواردة في الأحاديث.
  • أنّه يردّ على من يزعم أنّ الحديث عن هذه الأمور في دائرة البدعة والابتداع والعلمانية كما سبق.
  • أنّه يمثل لنا في عصرنا هذا تنظيمًا للدولة الإسلاميّة.

وردًّا على من يزعم أنّ الدولة في الإسلام ليست شرعيّة وإنّما هي تاريخية لمرحلة معينة أو أنّ المسلمين والفقهاء بشكل أخصّ ابتدعوا صورة الدولة وجعلوها شرعيّة.

ولا بدّ لي هنا أن أقف قليلًا أمام هؤلاء الذين يزعمون أن المجتمع في الإسلام «مدني»، وأنّ الدولة في الإسلام “مدنية”، لأقول: أنّ معنى “مدنيّة” عند المعاصرين يرجع إلى استعمال حديث ينتمي إلى فلسفات سياسيّة ليبراليّة أو مختلطة: فقه سياسي مجزأ أو مؤوّل الدلالات الشرعيّة كأن نقول حريات: العقيدة، وإبداء الرأي، وإنشاء أحزاب أو انتخاب وترشيح، وربّما حريات تملّك «اقتصاديّة» و حريّة سوق، وحرية شخصية إلخ.. فالمدينة هنا ليبراليّة وعلمانيّة لا شرعيّة أو فقهيّة، وما أظنّ فشل مفهوم الدولة الإسلامية المعاصر إلا راجعًا لأمرين أساسيّين:

الأول منهما: الإسقاط وهو خلل فكري منهجي تأويلي معكوس. يزعم أنه يسقط الأدلة، أمّا النصوص على الواقع، ولكنه يسقط النصوص من حيث إنها ألفاظ ذات دلالات شرعيّة على وقائع وفق “فلسفة معيّنة” أو «فلسفات» سياسية حديثة أو معاصرة بحجة الحداثة أو المعاصرة، أو مواكبة العصر، أو مناسبة العصر إلى ما هنالك من اعتبارات ودلالات برّاقة فارغة من محتواها الشرعي. أي لنقل هو في دائرة شرعنة الواقع ووقعنة الشريعة، بباعث دفاعي فاشل في نظري..

والذي يدلّ على فشله واقع منهجه الواقعي، حيث إنّ التجارب كلها فاشلة أو آيلة للفشل.

السبب الثاني: أنّ فريقًا آخر تحدّث عن تميّز تاريخي للدولة الإسلامية ولم يدرك الانقطاع الحضاري بين واقعنا المعاصر وتصوّراته للدولة. ولذلك فشل في الوصول إلى ما يريد من «استعادة الدولة الإسلامية» استعادة تاريخيّة مكرّرة.

وهذا الاتجاه انقسم إلى قسمين:

الأول: استعادة الخلافة الراشدة بحجّة استعادة الخلافة على منهاج النبوة.

والثاني: استعادة الخلافة في صورتها عند من كتب في الفقه السياسي في مجال الآداب والأحكام السلطانية كـ”الماوردي وأبي يَعلى وغيرهما”.

وربّما أدّى هذا إلى أن يتحدّث البعض عن «الدولة المستحيلة»، التي تشبه «الحبّ المسحيل». وكأنّنا بين نموذجَيْن، نموذج الإقرار بالواقع أصلًا مع حذق وتهذيب وتأويل..

وهذان النموذجان رفعا مستوى الدولة إلى أن تصبح «المدينة الفاضلة» التي لا يمكن أن توجد أصلًا في مثل هذا الواقع التاريخي والسياسي والاجتماعي والدولي للمسلمين في عصرنا ولا في أمثال مسلمي عصرنا.

إنّ الدولة في الإسلام ليست دوله «مدنيّة»، وإنّما هي دولة شرعيّة فقهيّة يحكمها الفقه والفقهاء، وليست ثيوقراطيّة ولا مدنيّة.

فأحكام الإمامة شرعيّة، وأحكام القضاء شرعيّة، وأحكام المعاملات شرعية، وأحكام العلاقات الدوليّة في حالتَيّ الحرب والسلم شرعيّة، وأحكام المال العام شرعية، وأحكام الواردات والنفقات شرعية..

كل ما في الأمر أنّ على المجتهدين من الفقهاء المحصّلين لهذه الرتبة بالملكة والمهارة المناسبتين أن يجتهدوا..

وهنا تبرز أهميّة الكتاب أنّه يبيّن الوجه المدني الحقيقي «للمدينة» النموذج وليس النموذج المدني العلماني.

مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم

– مضمون الكتاب:

العنوان: كتاب «تخريج الدلالات السمعية».

  • الأدلة السمعيّة هي المتوقفة في مصدريّتها على السمع أو الوحي وهما نوعان:
  • الكتاب القرآن الكريم المعجز اليقيني أو القطعي الثبوت، باللغة العربية.
  • السنة وهي كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير (عند الأصوليين) وقد يزاد في الأقسام لتشمل الترك والكتابة والإشارة، والصفة.
  • ما يلحق بهما في دائرة التوقيف أو السّمع أو النص وهو أيضًا نوعان:

الأول: السيرة النبوية وهي جميع ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم ممّا يتعلّق من حوادث قبل ولادته من حوار، وبشائر وما بين ولادته وبعثته وما بعدها ممّا تتعلّق بأمور السياسة أو الجهاد والسير.

والفقه السياسي يعود إلى السيرة النبوية وما تلاها من سير الخلفاء الراشدين j. ولعلّه لهذا سُمّي هذا الباب بـ«الجهاد والسير»، فالسيرة أو السيَر أهم مصادره.

والثاني: الإجماع وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي أو مسألة من المسائل.

  • أمّا عبارة «الدلالات السمعية» فهي ما سبق في تلك الأدلة للدلالة على الأمور المذكورة وغالبها من السنّة والسيرة النبوية.
  • التخريج: يشمل التخريج بالمعنى الاصطلاحي للأحاديث بعزوها لمصادرها، كما يشمل بيان وجه اتصال ذلك بالمقصود وهو بذلك يتلازم مع الدلالة أو الدلالات. والدلالة تدل في علم الأصول على التلازم بين الألفاظ والمعاني.
  • قوله: «فيما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحِرَف والصنائع والعمالات الشرعيّة»، فيه بيان هو أنّ مقصود الكتاب إثبات أنّ كلّ ذلك من المناصب السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى سنّته وسيرته وزمانه، والعمالات الشرعية شاملة للإمامة والوزارة والقضاء والولاية والعمالة إلخ…
  • كثير من هذه الأمور يعود إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره، وهو يكفي في «ثبوته» و«صحته»، وأنّه «شرعي».

ما هي الموضوعات المذكورة في الكتاب؟

سأحاول تلخيص ذلك:

تطرّق الكتاب إلى أمور كثيرة فقد قسّمه إلى عشرة أجزاء، تناول في الجزء الأول الخلافة والوزارة وما يُضاف إليها وجعله في سبعة أبواب.

  • الخليفة: خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأول وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه من حيث اسمه وكنيته ونسبه وبيعته الخاصّة والعامّة، وما جرى فيها، وصحة خلافته وبعض أخباره ومناقبه ثم وفاته رضي الله عنه. وأوّل من تسمّى بأمير المؤمنين بعده.
  • في الوزارة: ومعناها واتخاذه صلى الله عليه وسلم وزيريْن من أهل الأرض: سيدنا أب بكر رضي الله عنه وسيدنا رضي الله عنه.

ونفصل هنا الكلام في سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه تحدث قبلها عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه. وتحدّث عن الوزير الصالح وما جاء في وصفه في السنّة الشريفة.

  • في صاحب السرّ سيّدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
  • في الآذن والحاجب والبواب وذكر من كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنس بن مالك، وأنَسة ورباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلًا عن الخلفاء الأربعة.

وفصّل الكلام في الخادم وصاحب الوساد وصاحب النعلين، ويعتبر هذا القسم داخلًا في النظام السياسي في الإسلام.

ثم أفرد المؤلّف الجزء الثاني فجعله خمسًا وعشرين بابًا ليتحدّث عن العمالات الفقهيّة وأعمال العبادات وما يُضاف إليها من عمالات المسجد وآلات الطهارة وما يقرب منها والإمارة على الحج وجعله في خمسة وعشرين بابًا، ويذكر في هذا الجزء: معلم القرآن والكتابة والفقه في الدين واتّخاذ الدّار والمدارس وعابر الرؤيا وإمام صلاة الفريضة وإمام صلاة القيام في رمضان، والمؤذن والموقت وصاحب الخمرة وصاحب العنزة والـمُعرج والمجمر والذي يقم المسجد (يكنسه) والذي يشدّ على النّاس في صلاة الجماعة، والذي يمنع الناس من اللغط والمنازعة في المسجد، وصاحب الطهور، والسواك، وصاحب الكرسي والساقي والإمارة على الحج وصاحب البدن وصاحب البيت والسقاية.

وأمّا الجزء الثالث: فقد جعله في العمالات الكتابيّة وما يشبهها وما يضاف إليها: ويشتمل على ثلاثة عشر بابًا: كتاب الوحي، وكتاب الرسائل والأقطاع، وكتاب العهود والصّلح وصاحب الخاتم، والرسول، وحامل الكتاب، والترجمان، والشاعر، والخطيب في غير الصلوات، والجيش والعرفاء والرجل يدعو النّاس وقت العرض والمحاسب.

وأمّا الجزء الرابع : فقد اشتمل على العمالات الأحكامية وما يضاف إليها وجعله في سبعة عشر بابًا: في الإمارة على النواحي والقاضي، وصاحب المظالم، وقاضي الأنكحة والشهادة وكتابة الشروط، وفارض المواريث، وفارض النفقات، والدليل في غير الأمور المالية، والبصير بالبناء، والقسام والمحتسب، والمنادي، وصاحب العمى في المدينة، والذي يتولى حراسة أبواب المدينة في زمن الهرج، والذي يكون لهم رتبة في زمن الهرج من السجّان، والمقيمين الحدود.

وأما الجزء الخامس: فيخصّصه للعمالات الجهاديّة وما يتشعب منها وما يتصل بها وفيه خمسة وأربعون بابًا:

في الإمارة على الجهاد، في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج للغزو وغيره، والذي يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر، والمستنفر، وصاحب اللواء، وانقسام الجيش إلى أقسام، والرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه يوم لقاء الجيش ويلبس الإمام لامته، ويلبس هو لامة الإمام حياطة على الإمام، وصاحب المقدّمة، والميمنة والميسرة، والمقدّم على الساقة والمقدّم على الرماة والمقدّم على الرجاله والوزاع وصاحب الخيل والـمُسرج، والآخذ بركاب النبي صلى الله عليه وسلم عند ركوبه، والرجل الذي يركب خيل الإمام يُساق بها وصاحب الراحلة، وصاحب البغلة ، والقائد والحادي، وصاحب الصلاح، وحامل الحربة، وحامل السيف، والصيقل، والدليل، ومُسهل الطريق، وصاحب المظلّة، وصاحب الثقل، والأمين على الحرم، والحارس، والتجسّس، والرجل فيتخذ من بلد العدو عينًا بأخبارهم إلى الإمام، والمخذل، وصانع المنجنيق والرامي به وصانع الدبابات والقوم يقطفون الأشجار ويحرقونها، وحفر الخندق، وصاحب الغنائم، وصاحب الخمس، والرجل يبعثه الإمام مبشّرًا بالفَتح، وفيه يلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة للإمام في الطريق يهنؤونه.

وأمّا الجزء السادس: فيتطرّق الخزاعي رحمه الله تعالى فيه إلى العمالات الجبائيّة ويجعله في اثني عشر بابًا.

في صاحب الجزية، وصاحب الأعشار، والترجمان، ومتولي خراج الأرضين، وصاحب المساحة، والعامل على الزكاة، ومن كان يكتب أقوال الصدقة، والخَرْص والأوقات، وصاحب المواريث والمستوفي، والـمُشرف.

وأمّا الجزء السابع: فقد خصّصه للعمالات الاختزانيّة وما أضيف إليها وهي في أحد عشر بابًا:

في فضائل الخازن الأمين، وخازن التعدين وصاحب المال، والوزان وخازن الطعام، والكيّال، وأسماء الأوزان والأكيال الشرعيّة المستعملة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحب السكّة في اتخاذ الإبل والغنم، والوسّام والحمى يحميه الإمام.

وأمّا الجزء الثامن: فقد تناول سائر العمالات، وجعله في عشرة أبواب:

– في المنفق، والوكيل يوكله الإمام في الأمور المالية، والرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذه فيما أمره به من وجوه مصارف المال في غير الحضرة، وفي إنزال الوافد، وفي المارستان والطبيب، والراقي، والقاطع للعروق، والكوّاء، والمكان الذي اتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويخرج منه اتخاذ الزوايا التي تتخذ للفقراء.

وأما الجزء التاسع: فقد ذكر فيه حِرفًا وصناعات كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وذكر من عملها من الصحابة j وفيه أربعة وثلاثون بابًا:

في التجارة في الأسواق، والبزّاز، والعطّار، والصرّاف، وبائع الرماح، وبيع الطعام، والتجارة، وبائع الدباغ، والحطّاب، والدلّال، والسمسار، والنسّاج، والخيّاط، وناحت الأقداح، والصواغ، والحدّاد، والبنّاء، والدبّاغ، والخوّاص، وصياد البحر، والصيّاد في البرّ، والعامل على الحوائط، والسّقّاء، والحامل على الظهر، والحجّام، واللّحام (الجزّار والقصّاب) والطبّاخ والشواء، والماشطة، والقابلة، والخافضة، والمرصفة، والمغنين، والحفّار للقبور.

وأما الجزء العاشر: فقد تناول فيه معنى الحرفة والعمالة والصناعة والنهي عن استعمال غير المسلمين من الكفّار من أهل الكتاب، وغيرهم، وعن الاستعانة بهم، وفيما جاء في أرزاق العمّال وذكر الكتب التي استخرج منها ما تضمّنه هذا الكتاب.

منهج الكتاب:

اتَّخذ الإمام الخزاعي رحمه الله تعالى طريقة واحدة في تناوله للمسائل المذكورة سابقًا.

فهو يذكر الأحاديث والأخبار، والأشعار، ويترجم الشخصيات والأعلام من الصحابة j وغيرهم، ويعنى بأنسابهم، ويتطرق للفوائد اللغوية لشرح غريب الألفاظ الواردة في الأحاديث والآثار والأخبار ويذكر المصادر التي ينقل منها.

المصادر التي اعتمد عليها الإمام الخزاعي في «تخريج الدلالات السمعية»

لقد خصص الخزاعي الباب الرابع من الجزء العاشر في آخر الكتاب ليتحدّث عن أسماء التواليف التي اعتمد عليها في النقل:

وذكر منها مائة ونيّف وستون كتابًا وهي تنقسم إلى:

1- كتب التفسير: كـ«تفسير» ابن عطيّة، والفخر الرازي، والبلوطي، والثعلبي، والزمخشري، و«معاني القرآن» للفرّاء و«أحكام القرآن» للقاضي ابن العربي.

2- كتب الحديث: كـ«الموطأ» و«صحيح البخاري» و«مسلم» و«سنن الترمذي» و«شمائل الترمذي» و«سنن أبي داود» و«النسائي» والزهري، وابن داود الطيالسي، و«مختصر ابن رشد»، و«أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لابن حيان، و«مسند الدوري»، و«الشهاب» للقاضي عياض.

3- كتب غريب الحديث: (الأغربة) كـ«غريب القرآن» للسجستاني، و«المشرع الروي» للمالقي، و«الدلائل» للسرقسطي، و«غريب الحديث» للخطابي.

4- وشروح الحديث: كـ«المنتقى» للباجي، و«التمهيد» و«الاستذكار» لابن عبد البر، وابن بطال على البخاري، و«أعلام الحديث» للخطابي، و«معالم السنن» له، و«المعلم» للمازري، و«الإكمال» للقاضي عياض، و«مشارق الأنوار»…

5- وكتب الأنساب: كـ«الجمهرة» لابن حزم، و«الاقتباس» للرشاطي.

6- وكتب الفقه: كـ«التهذيب» للبرادعي، و«التبصرة» للخمي، و«البيان والتحصيل» لابن رشد، و«المقدمات» له، و«الكافي» لابن عبد البر … و«أقضية النبي صلى الله عليه وسلم» لمحمد بن فرج الطلّاع، و«الأقوال» لابن سلام، و«المحل» و«السيرة» و«حجّة الوداع» لابن حزم إلخ…

7- أصول الفقه: «تنقيح الفصول» للقرافي…

8- والتصوف والوعظ: «إحياء علوم الدين» للغزالي، و«سراج المريدين» لأبي بكر بن العربي و«المدهش» لابن الجوزي، و«رسالة الإمام القشيري».

9- كتب السير والتواريخ: «السير» لابن إسحاق، وشرح السهيلي «الروض الأنف»، و«غريب السيرة» للخشني، و«خلاصة السير» للطبري، و«مختصر السير» لابن جماعة، و«الدر المنظم» و«الاكتفاء» للكلاعي، و«الاستيعاب» لابن عبد البر، و«التاريخ الكبير» للبخاري، و«الصفوة» لابن الجوزي، و«طبقات النقاد» للشيرازي، و «الكامل» لابن الاثير، و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، و«طبقات الفلاسفة» لابن جلجل، ولابن صاعد… إلخ.

10- كتب اللغة: كـ«الصحاح» للجوهري، و«المحكم» لابن سيده، و«ديوان الأدب» للفارابي، و«إصلاح المنطق» لابن السكيت، و«أدب الكاتب» لابن قتيبة، و«الاقتضاب» لابن السيد البطليوسي، و«فقه اللغة» للثعالبي، و«الفصيح» لثعلب و«المقصور والممدود» لابن القوطية وغيرهما…

11- كتب العربيّة (النحو): «المفصل» للزمخشري و«التسهيل» لابن مالك وشرحه للخمي..

12- كتب الأدب: «الكامل» للمبرد، و«البيان» للجاحظ، و«العقد الفريد» لابن عبد ربه، و«عيون الأخبار» لابن قتيبة و«المعارف» له… إلخ.

13- كتب الأشعار: شعر حاتم الطائي، والأعمش، و«الحماسة» لأبي تمام و«العمدة» لابن رشيق.. إلخ. وغيرها من المصادر.

المجتمع المديني في كتاب «تخريج الدلالات السمعية»

لا بد لي هنا من أن أتطرق إلى أمر أساسي هو أنّ المطابقة بين هذه الأعمال والمشابهة بينها وبين ما يوجد في عصرنا لا يكفي في الدراسة، ولذا ينبغي أن نترسم للمنهج الأصولي في هذا الأمر القائم على القواعد التالية:

الأولى: أن ننزه أنفسنا عن التفتيش عن المشبهة والمخالفة*([1]) ومنطق الدفاع القائم على عقد النقص في المقارنة بين النظم الإسلاميّة والنظم الحديثة. والذي أفضله أن لا نستعمل كلمة إسقاط لأنّ الفقه في الدين ليس مجرّد إسقاطات على الحداثة والمعاصرة. ولعل العبارة الواردة في عنوان هذا المؤتمر بحاجة الي إعادة نظر.

الثانية: أنه ينبغي في دراستنا للنظم الإسلاميّة أن نعتمد على المنهج الاجتهادي والمعتبر أساسًا في التفكير الفقهي والقائم على أصول الفقه وطرائقه في الاستنباط وقواعد في استخراج الأحكام الفقهيّة، ولا يكفي فيه الإسقاط ولا مجرّد العلوم المقاصدية القائمة على المنافع والمضار والمناهج التجريبيّة في دراسة الظواهر السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والإداريّة ولا المناهج التاريخية.

الثالثة: أنّ الدراسات المعاصرة في مثل هذه الموضوعات ينبغي أن تنزّه عن والتأويل والمقارنة بين المنظومات المختلفة في أسسها وأحكامها ومقاصدها وفلسفاتها، أو عن منطق الاستعادة الصورية للماضي والاستعارة الصورية أيضًا للحاضر من حضارات ونظم حديثة…

الرابعة: أن نتنبّه إلى واقع الأمة الحالي بتشخيص أمراضها وأدوائها وأن نقدّم فكرًا وفقًا سياسيًّا يكون جسرًا ينقلها من حالها وواقعها الحاضر إلى ما ينبغي أن تكون عليه…

ولا يكفي أن تتحدّث عن مرحلة ما بعد قبل أن تتحدّث عن مرحلة ما قبل.

([1]) الاجتهاد فقه استنباط وعبارة ما يوافق الإسلام وما يخالفه عبارات تداولية فارغة لا تمثل منهجًا أصوليًّا لاستنباط الأحكام.

خلاصة

ما ذكره الإمام الخزاعي رحمه الله تعالى عن مجتمع المدينة وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يلفت نظرنا في كل عصر إلى ما في هذا النموذج النبوي «للمدينة» من قابلية التطبيق الخارج من تقييد النصوص بتاريخية أو بتاريخانية معيّنة تصلح في عصر ولا تصلح في عصر.

فالكمال والنقص متلازمان، والتغير والثبات متلازمان، والمحافظة والتطوير متلازمان في كل عصر وفي كل أمة ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر. بل ليست هذه هي المشكلة، إذ المشكلة الحقيقية هي تحديد الحدود الفواصل بين كل منهما وتباين ما يتقاطع منهما أو تباين، وتوضيح ما يدخل في أحدهما أو في الآخر.

بعبارة أخرى لا بدّ من معرفة ما ينبغي تغييره وتطويره واستكماله وما ينبغي المحافظة عليه واستمراره واستقراره وما يتردد بين المجالين ولا يستلزم وجودنا في عصر التقدّم التكنولوجيا وعصر اكتشاف الفضاء أن نلغي اكتشاف القضاء أن نلغي الماضي بكل ما فيه وبكل مجالاته وأبعاده.

بل هذا لا يحدث ولم يحدث ذلك أبدًا في كل الحضارات القديمة والحديثة.

كما لا يصح أن نجعل بابًا فقهيًّا كبيرًا أو قسمًا من أقسام الفقه الإسلامي برمته من باب المتغير والنسبي والمتطوّر كـ«فقه المعاملات والفقه السياسي» بحجّة أنّ ذلك داخل تحت «أمر دنياكم» في حديث «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، وإلا احتجنا قبل ذلك إلى تحديد ما يدخل في «الدنيا» وما يخرج منها، وما هو «للآخرة» ويدخل فيها وما يخرج منها أيضًا وهما ليستا متخارجتين أو متباينتين.

ولذلك فإن كتاب «تخريج الدلالات السمعية» يصلح نموذجًا على بيان العملية الدقيقة جدًّا في استنباط التفاصيل التي قد لا تخطر على بال هؤلاء المحدثين المدافعين والمعارضين وهذا يقودنا إلى مبدأ أساسي في القراءة.

وهو أنّ الأحداث والشخصيات والمحدّدات الزمانية والمكانيّة (تاريخ وجغرافي) وسرد ووصف يعتمد الرواية ونقل الرواية والتدوين التاريخي (الهاجيوغرافيا) والمنهج المعتمد فيه هو منهج التحقّق والتدقيق والمقارنة، وهو ليس موضوع الفقه اللهم إلا في مجال دراسة الواقع للتأكد من المطابقة وتحقيق المناط أو معرفة العلل وتحققها في الأصل والفرع.

لكن الفقه الحقيقي وهو مجال الاستفادة من هذا الكتاب والاستنباط منه هو استخراج ما كان منه متعلّقًا بالوحي وهو أصعب في الدراسة للسيرة النبوية وللحديث الشريف لأنّه استخراج أو استنباط للنصّ في حقيقته الدلاليّة أو الماورائيّة وهذا لا يستقل به إلا العلماء الأفراد الذين اكتملت فيهم الأداة والمهارة الفقهيّة والأصوليّة والعلوم الشرعية والإنسانية.

ولو عدنا بالكتاب لوجدنا أنّه يُعنى بأمور هامة منها:

السياسة: ولكنّه يدخل فيها سياسة العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج.

وسياسة الاقتصاد والنقد والاستهلاك والإنتاج.. والسياسات القضائيّة في الخصومات والأنكحة والاحتساب (الحسبة) وغيرها.

والسياسات الإداريّة والدواوين المختلفة للدولة. وسياسات الحرب والجهاد والسلم والمصلح والمعاهدات، أو السياسات الدفاعيّة والهويّة.

والسياسات الماليّة وما يتعلّق بالواردات والنفقات للدولة ولا يلزم من ذلك أن يستعاد كل ذلك في عصرنا مصوّرة مكرّر بصورة وشكليّة محضة.

فبعض هذه العمالات المذكورة انقرض مع الزمان وتبدّلت أو تطوّرت أوضاعه كمهن كثيرة لم تعد كما كانت في الماضي، ومكاييل وموازين ومقاييس تغيّرت، فالطبيب والراقي والكوّاء والقاطع للعروق والحجّام، قد تغيّرت أوضاعهم بالكليّة ولم يعد موجود هذا الانفصال عنها على مثل الصورة المذكورة، وليس هذا مما هو مطلوب المحافظة عليه وإنّما يبقى فرض الكفاية تحصيل ما هو «متغيّر» في عصرنا ويشمل ما تغيّر وما سيتغيّر في المستقبل.

وربّما ما لم يطرح في هذا الكتاب هو صلة هذه العمالات بالجانب التعليمي، وأنّ السياسة أيضًا ينبغي أن تشرف على توفير تلك العمالات وإعداد الكفاءات المناسبة لها اجتماعيًّا ثم توفير فرص العمل لها. وهو أمر تطوّر بشكل واضح في عصرنا وأصبح مجالًا لعلوم حديثة متخصصة.

فما المشكلة إن أوجدنا نظامًا يُعدّ لنا: الإمام والوزير والقاضي والمحتسب… إلخ. كما نعدّ الفقهاء والمجتهدين والقضاة والمفتين والمعلمين…

خلاصة القول أنّنا نستطيع أن نبني جسرًا بين علم «تخريج الدلالات السمعية» وبين عصرنا عبر منهج أصولي في الاستنباط وفكري وفلسفي في إدراك العلوم الواقعية والإنسانيّة… ومهمّة العلماء بناء هذا الجسر، وتبيان طرائف التنفيذ…

ولا يكفي في ذلك عبارات مجرّدة وعامة ومؤوّلة للتغيير والاصلاح المنشود والله تعالى أعلم وأحكم.

وكتب الأستاذ الدكتور
محمد المعتصم بالله البغدادي
بتاريخ صبيحة الخميس 2 من ربيع الثاني 1444هـ
27/10/2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
hacklink panel |
deneme bonusu veren siteler |
casino siteleri |
gamdom |
şans casino |
vidobet |
vidobet |
vidobet güncel giriş |
vidobet giriş |
casinolevant |
casinolevant |
casinolevant |
şans casino |
şans casino |
casinolevant giriş |
casino şans |
şans casino giriş |
casino levant |
casino şans |
casino şans |
levant casino |
bahislion |
casinolevant |
gamdom |
gamdom giriş |
gamdom |
boostaro |
bahislion |
boostaro |
cialis |
sightcare |
uc satın al |
gamdom |
casinolevant |
casinolevant |
casinolevant |
bornova otel |
casinolevant giriş |
casinolevant |
izmir web tasarım |
sosyobase |
casinolevant |
casino siteleri |
casinolevant |
casinolevant |
gamdom |
https://gamdomgir.com/ |
gamdom |
gamdom |
gamdom |
gamdom |
gamdom |
gamdom |
lidyabet |
lidyabet giriş |
gamdom |
gamdom
hacklink panel |
deneme bonusu veren siteler |
casino siteleri |
gamdom |
şans casino |
vidobet |
vidobet |
vidobet güncel giriş |
vidobet giriş |
casinolevant |
casinolevant |
casinolevant |
şans casino |
şans casino |
casinolevant giriş |
casino şans |
şans casino giriş |
casino levant |
casino şans |
casino şans |
levant casino |
bahislion |
casinolevant |
gamdom |
gamdom giriş |
gamdom |
boostaro |
bahislion |
boostaro |
cialis |
sightcare |
uc satın al |
gamdom |
casinolevant |
casinolevant |
casinolevant |
bornova otel |
casinolevant giriş |
casinolevant |
izmir web tasarım |
sosyobase |
casinolevant |
casino siteleri |
casinolevant |
casinolevant |
gamdom |
https://gamdomgir.com/ |
gamdom |
gamdom |
gamdom |
gamdom |
gamdom |
gamdom |
lidyabet |
lidyabet giriş |
gamdom |
gamdom